العودة للصفحة الرئيسية

الفقدان... حين يترك الغياب أثراً لا يراه أحد

بقلم: أمل إبراهيم وعدنان عبد الستار تاريخ النشر: ٧ أغسطس ٢٠٢٦
الفقدان... حين يترك الغياب أثراً لا يراه أحد

ليس كل فقدان يعني أن يرحل إنسان نحبه.

أحيانا نفقد وطناً كان يسكننا أكثر مما نسكنه، أو حلما عشنا سنوات نبنيه، أو علاقة اعتقدنا أنها سترافقنا حتى نهاية الطريق. وأحيانا نفقد أنفسنا القديمة، تلك النسخة التي كانت تضحك بسهولة، أو تثق بالحياة أكثر.

لهذا لا يأتي الفقدان دائماً في هيئة جنازة.

قد يأتي في رسالة أخيرة، أو في باب يغلق بهدوء، أو في صباح تستيقظ فيه لتكتشف أن شيئا ما لم يعد كما كان.

في البداية لا نصدق.

نشعر أن الغياب مجرد تأخير، وأن من رحل سيعود بعد قليل، وأن الحياة ستعتذر لنا عن هذا الخطأ. لكن الأيام تمضي، ويبقى المقعد فارغاً، ويبقى الهاتف صامتاً، ويبقى المكان كما هو... إلا أنه لم يعد المكان نفسه.

حين يغيب الأحبّة

عندما يكون من نحب معنا، نعتاد وجوده حتى نظن أنه جزء ثابت من العالم.

لا ننتبه إلى أن صوته كان يمنح البيت دفئه، وأن حضوره كان يخفف عن أرواحنا ما لا تستطيع الكلمات وصفه. لكن حين يغيب، ندرك فجأة أن الحياة كانت تستند إلى تفاصيل صغيرة لم نكن نراها.

نكتشف أن إنساناً واحداً كان يحمل في قلبه جزءاً من طمأنينتنا.

ولعل أكثر ما يؤلم في الفقدان أننا لا نفقد الآخر وحده، بل نفقد أنفسنا كما كنا معه.

نفقد الضحكة التي لم تكن تظهر إلا بحضوره، والحديث الذي لم يكن يفهمه سواه، والنسخة من أرواحنا التي لم تكن تولد إلا عندما يلتقي بنا.

لهذا يشعر الإنسان أحياناً أنه لم يخسر شخصاً فقط، بل خسر عالماً كاملاً.

الحزن لا يسير في طريق مستقيم

الحزن لا يسير في طريق مستقيم. إنه يشبه البحر.

قد يهدأ أياماً حتى نظن أنه انتهى، ثم تعيده أغنية قديمة، أو رائحة عابرة، أو صورة منسية، فنجد أنفسنا نبكي كما لو أن الفقد حدث قبل دقائق.

وليس في ذلك ضعف. إنه الحب وهو يبحث عمن اعتاد وجوده.

كثيرون يطلبون من الحزين أن ينسى، وكأن النسيان قرار يمكن اتخاذه. لكن القلب لا يعمل بهذه الطريقة. إنه يحتاج إلى الوقت، لا لكي يمحو الذكرى، بل لكي يتعلم كيف يعيش معها.

مفهوم التقبّل والتعافي

التقبّل لا يعني أن الغياب أصبح سهلاً، ولا يعني أن الألم انتهى. بل يعني أن نتوقف عن مقاومة الحقيقة، وأن نسمح للحياة بأن تتحرك من جديد، حتى ونحن نحمل في داخلنا مكاناً لن يمتلئ أبداً.

بعض الفراغات لا تملأ. لكننا، مع مرور الزمن، نصبح أوسع منها. يتغير الألم، لا لأنه اختفى، بل لأننا أصبحنا أقوى على حمله.

وربما يكشف لنا الفقدان حقيقة لا ننتبه إليها إلا بعد فوات الأوان: نحن لا نتألم لأن الحياة كانت قاسية فقط، بل لأننا أحببنا بصدق. ولو لم يكن الحب عظيماً، لما كان الغياب موجعاً إلى هذا الحد.

لهذا فإن الحزن ليس عدو الحب، إنه امتداده الأخير.

الحب يقول: "ليت من أحب يبقى."
أما الحياة فتهمس: "كل شيء عابر... لكن أثره قد يبقى إلى الأبد."

ولهذا لا يرحل من أحببنا تماماً. إنهم يستمرون في الكلمات التي علمونا إياها، وفي العادات التي تركوها فينا، وفي القرارات التي نتخذها لأنهم كانوا يوماً جزءاً من حياتنا.

قد يغيبون عن أعيننا، لكنهم يبقون في الطريقة التي ننظر بها إلى العالم. وفي النهاية... لا يمنحنا الفقدان كل الإجابات، لكنه يوقظنا.

يعلمنا أن نقول كلمة الحب قبل أن يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة المتاحة. أن نعتذر قبل أن يصبح الاعتذار مستحيلاً. أن نعانق من نحب، وأن نشكرهم وهم ما زالوا يسمعوننا. فالوجود لا يعدنا بأن يبقى كل شيء، لكنه يمنحنا فرصة أن نحب بصدق، وأن نعيش بوعي، وأن نترك في قلوب الآخرين أثراً جميلاً.

وربما لهذا السبب... لا يكون التعافي هو أن ننسى من رحل، بل أن نحمله معنا بطريقة تجعل حضوره يستمر، لا في الذاكرة وحدها، بل في إنسانيتنا أيضاً. فالفقدان لا يمحو الحب، إنه يكشف لنا، للمرة الأولى، كم كان الحب عظيماً.

أمل إبراهيم & عدنان عبد الستار
07.08.2026
تحميل المقالة (PDF) قراءة كـ PDF
البحوث والدراسات

الفقدان... حين يترك الغياب أثراً لا يراه أحد

قراءة كاملة لمقالة «الفقدان... حين يترك الغياب أثراً لا يراه أحد» للكاتبين أمل إبراهيم وعدنان عبد الستار. يسرنا أن ننشر في هذا الباب في كل أسبوع مقالة جديدة حول مفاهيم الكتاب العميقة.

مقالات أخرى قد تهمك

ما هي الأنا؟ رحلة لفهم الذات والهوية ما هي اللغة؟ هل هي مجرد وسيلة للتواصل أم ظاهرة كونية غامضة؟ ما هو الامتنان؟ ما معنى العودة إلى الذات؟... الطريق إلى المركز الداخلي لماذا نقاوم الواقع؟ وكيف يقلل قبول الواقع من المعاناة الواقع يبدأ من الداخل: شبكة الأسباب الخفية في حياة الإنسان
كتاب حين يراك الوجود

كتاب «حين يراك الوجود»

رحلة وجودية ونفسية عميقة في فهم الأنا والوعي والهوية.

معاينة وتنزيل الكتاب