العودة للصفحة الرئيسية

لماذا أشعر بالفراغ رغم أن حياتي تبدو جيدة؟

بقلم: عدنان عبد الستار وأمل إبراهيم تاريخ النشر: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦
لماذا أشعر بالفراغ رغم أن حياتي تبدو جيدة؟

قد تكون لديك وظيفة مستقرة، وبيت آمن، وأشخاص يحبونك. قد تسير حياتك كما كنت تتمنى يوماً، وربما يراك الآخرون شخصاً محظوظاً لا ينقصه شيء. ومع ذلك، حين تهدأ الضوضاء من حولك، تشعر بشيء يصعب وصفه: فراغ داخلي، كأن شيئاً ما غائب، رغم أنك لا تعرف ما هو.

وقد يصبح هذا الشعور أكثر إرباكاً عندما تقارن حياتك بحياة الآخرين وتقول لنفسك: كيف أشعر بهذا وأنا أملك كل هذه النعم؟ لماذا لا أشعر بالسعادة كما ينبغي؟

لكن الشعور بالفراغ لا يعني أنك جاحد، ولا يعني بالضرورة أن حياتك سيئة. أحياناً لا يكون الفراغ حكماً على حياتنا، بل رسالة من داخلنا تقول إن هناك شيئاً لم نعد نصغي إليه.

حين نعيش حياة تبدو صحيحة

منذ طفولتنا نتعلم الكثير عن شكل الحياة الناجحة. ندرس، نعمل، نبحث عن الاستقرار، نبني العلاقات، ونضع أهدافاً نسعى إلى تحقيقها. ومع مرور السنوات قد ننجح فعلاً في الوصول إلى كثير مما أردناه.

لكننا ننسى أحياناً أن نسأل سؤالاً بسيطاً:

"هل هذه هي الحياة التي أريدها أنا فعلاً؟"

فليس كل ما يبدو ناجحاً من الخارج يمنحنا بالضرورة إحساساً بالمعنى من الداخل.

قد يحقق الإنسان هدفاً انتظره سنوات، فيشعر بالفرح أياماً أو أسابيع، ثم يعود ذلك الشعور القديم: وماذا بعد؟

ليس لأن الإنجاز بلا قيمة، بل لأن الإنجاز وحده لا يستطيع أن يجيب عن كل أسئلتنا.

نحن لا نحتاج فقط إلى أن ننجح، بل نحتاج أيضاً إلى أن نشعر بأن ما نفعله له معنى بالنسبة لنا. وقد تبدأ استعادة المعنى أحيانًا من العودة إلى الذات، والإنصات إلى ما نريده نحن بعيدًا عن توقعات الآخرين.

عندما تمنعنا الضوضاء من سماع أنفسنا

نعيش اليوم وسط حركة لا تكاد تتوقف. العمل، الهاتف، الرسائل، الأخبار، المواعيد، وسائل التواصل، الترفيه... دائماً هناك شيء يشغل انتباهنا.

وقد يصبح الانشغال طريقة غير واعية للهروب من الصمت. وقد يتحول هذا الضجيج الداخلي أحيانًا إلى تفكير زائد لا يمنح العقل فرصة للهدوء.

لأن الصمت يجعلنا نسمع أشياء كنا نؤجل سماعها.

ربما حزناً قديماً لم نعطه حقه. ربما خيبة لم نتحدث عنها. ربما علاقة لم نعد نشعر فيها بالقرب. وربما سؤالاً نخشى مواجهته: هل أنا سعيد بالطريقة التي أعيش بها؟

لهذا قد لا يكون الفراغ غياباً للمشاعر، بل العكس تماماً. قد يكون نتيجة تراكم مشاعر لم تجد مساحة كي تُفهم.

نقول: "لا أشعر بشيء"، بينما قد يكون في داخلنا الكثير مما لم نستطع بعد أن نمنحه اسماً.

الوحدة لا تعني دائماً غياب الناس

يمكن أن يكون حولك كثير من الأشخاص ومع ذلك تشعر بالوحدة.

فالإنسان لا يحتاج فقط إلى وجود الآخرين، بل إلى أن يشعر بأنه يستطيع أن يكون نفسه في حضورهم.

قد نملك أصدقاء كثيرين، لكننا نخفي عنهم خوفنا وضعفنا.

نبتسم عندما نريد البكاء، ونقول إن كل شيء بخير لأننا لا نريد أن نثقل على أحد، أو لأننا نخشى ألا يفهمنا الآخرون.

وبمرور الوقت قد تصبح المسافة بين صورتنا أمام الناس وما نشعر به في الداخل واسعة، مما يعقد مسيرتنا في فهم الذات والبحث عن الهوية الحقيقية.

وحين لا نشعر بأن أحداً يعرفنا كما نحن، قد نشعر بالوحدة حتى وسط الزحام.

لماذا لا تكفينا الأشياء التي كانت تسعدنا؟

هناك سبب آخر أكثر بساطة: نحن نعتاد.

الأشياء التي حلمنا بها يوماً تصبح جزءاً عادياً من حياتنا. البيت الجديد يصبح بيتاً عادياً، والنجاح الذي أسعدنا يصبح ذكرى، وحتى الأشياء الجميلة تفقد شيئاً من بريقها عندما تتكرر.

فنبدأ بالبحث عن شيء جديد يعيد إلينا ذلك الشعور:

- هدف آخر، تجربة أخرى، شراء جديد، سفر، علاقة أو نجاح أكبر.

لكن الحياة لا تستطيع أن تبقى في حالة إثارة دائمة.

وربما لا يأتي الرضا الحقيقي من مطاردة اللحظة الكبيرة التالية، بل من استعادة قدرتنا على رؤية ما أصبح مألوفاً: حديث صادق، فنجان قهوة في هدوء، إنسان نحبه، عمل نشعر بقيمته، أو لحظة نكون فيها حاضرين فعلاً بدل أن ننتظر ما سيأتي بعدها.

ماذا يريد الفراغ أن يقول لنا؟

حين نشعر بالفراغ، يكون رد فعلنا الأول غالباً هو محاولة التخلص منه.

نملأ الوقت، نفتح الهاتف، نبحث عن شيء يسلينا، أو نلوم أنفسنا لأننا لا نشعر بالسعادة التي نعتقد أننا يجب أن نشعر بها.

لكن ماذا لو توقفنا قليلاً عن محاولة ملء الفراغ وسألناه بدلاً من ذلك:

"ماذا تحاول أن تخبرني؟"

ربما نكتشف أننا لا نحتاج إلى حياة جديدة بالكامل، بل إلى استعادة شيء فقدناه في الطريق.

- قد يكون القرب من إنسان نحبه. أو وقتاً لأنفسنا. أو مساحة للإبداع. أو عملاً ينسجم أكثر مع قيمنا.

- أو شعوراً بأن وجودنا يترك أثراً في حياة شخص آخر.

المعنى لا يظهر دائماً كإجابة كبيرة ومفاجئة.

غالباً ما يتشكل ببطء من الأشياء الصغيرة التي نختار أن نعطيها اهتمامنا.

وكما نحتاج أحياناً إلى التأمل في حياتنا، نحتاج أحياناً إلى مساعدة متخصصة، ولا يوجد تعارض بين الأمرين.

ربما حياتك ليست فارغة

في النهاية، ربما لا يكون الفراغ عدواً يجب أن نهزمه، ولا حفرة يجب أن نملأها بسرعة.

ربما يكون لحظة تتوقف فيها الحياة عن إلهائنا بما يحدث حولنا، فنسمع أخيراً ما يحدث في داخلنا.

فالحياة التي تبدو جيدة للآخرين ليست بالضرورة الحياة التي نشعر فيها بأننا قريبون من أنفسنا.

وربما لا تكون حياتك فارغة أصلاً.

ربما ابتعدت فقط، وسط الانشغال والاعتياد ومحاولة تلبية توقعات الآخرين، عن الأشياء التي تمنح حياتك معناها.

وحينها لا يكون السؤال: كيف أملأ هذا الفراغ؟

بل:

"ما الذي افتقدته في طريقي إلى هنا؟ وما الذي يجعلني أشعر بأنني حي فعلاً؟"

قد لا تأتي الإجابة فوراً. لكن مجرد التوقف عن الهرب من السؤال قد يكون بداية الطريق.

لأن بعض المشاعر لا تحتاج منا أن نسكتها، بل أن نصغي إليها.

عدنان عبد الستار & أمل ابراهيم

28.08.2026

تحميل المقالة (PDF) قراءة كـ PDF
البحوث والدراسات

لماذا أشعر بالفراغ رغم أن حياتي تبدو جيدة؟

قراءة كاملة لمقالة «لماذا أشعر بالفراغ رغم أن حياتي تبدو جيدة؟» للكاتبين عدنان عبد الستار وأمل إبراهيم. تتناول المقالة الشعور بالفراغ الداخلي رغم استقرار الحياة، وكيف يمكن أن يكون هذا الشعور رسالة لفهم الذات والبحث عن المعنى الحقيقي.

مقالات أخرى قد تهمك

كيف أتوقف عن التفكير الزائد؟ ما معنى العودة إلى الذات؟... الطريق إلى المركز الداخلي صراع الأضداد: ثنائية الوجود وتكامل الإنسان ما هي الأنا؟ رحلة لفهم الذات والهوية ما هي اللغة؟ هل هي مجرد وسيلة للتواصل أم ظاهرة كونية غامضة؟ ما هو الامتنان؟ لماذا نقاوم الواقع؟ وكيف يقلل قبول الواقع من المعاناة الواقع يبدأ من الداخل: شبكة الأسباب الخفية في حياة الإنسان الفقدان... حين يترك الغياب أثراً لا يراه أحد
كتاب حين يراك الوجود

كتاب «حين يراك الوجود»

رحلة وجودية ونفسية عميقة في فهم الأنا والوعي والهوية.

معاينة وتنزيل الكتاب