العودة للصفحة الرئيسية

العدو المثالي.. حين نصنع خصمنا بأيدينا

بقلم: أمل إبراهيم & عدنان عبد الستار تاريخ النشر: ٤ سبتمبر ٢٠٢٦
العدو المثالي.. حين نصنع خصمنا بأيدينا

لماذا نحتاج أحيانًا إلى عدو؟
ليس بالضرورة لأن هناك شخصًا يريد إيذاءنا، بل لأن النفس قد تحتاج أحيانًا إلى شخص تحمّله ما يصعب عليها مواجهته في داخلها.

وهكذا نصنع ما يمكن تسميته بـ «العدو المثالي»:
شخصًا نضع فيه مخاوفنا وغضبنا وإحباطاتنا، ثم نراه سببًا لكل ما يؤلمنا.

قد يكون هذا الشخص قد أخطأ في حقنا فعلًا، وقد يكون الخلاف معه حقيقيًا، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول من إنسان له أخطاؤه وأسبابه إلى رمز لكل ما هو سيئ في حياتنا.

حين نرى أنفسنا في الآخرين

يعرف علم النفس «الإسقاط» بوصفه إحدى آليات الدفاع النفسي. فعندما يصعب علينا الاعتراف بشيء ما في أنفسنا، قد يصبح من الأسهل أن نراه في الآخرين.

لذلك قد نبالغ أحيانًا في البحث عن أخطاء شخص ما، ليس لأن كل ما نراه فيه وهم، بل لأن التركيز عليه يحمينا من سؤال أكثر إزعاجًا: ماذا يوجد في داخلي أنا؟

فمن السهل أن نقول: «هو السبب»، لأن وجود سبب خارجي واضح يمنح الفوضى الداخلية قصة مفهومة. يصبح هناك مذنب وضحية، وخير وشر، ونحن نعرف موقعنا في الحكاية. أما مواجهة النفس، فهي أكثر تعقيدًا.

لماذا قد نخاف من السلام؟

المفارقة تبدأ عندما يحاول ذلك «العدو» أن يتصالح معنا. قد نعتقد أننا سنفرح، لكننا نكتشف أحيانًا أن المصالحة نفسها تزعجنا. لماذا؟

لأن الخصومة الطويلة قد تصبح جزءًا من هويتنا. لقد اعتدنا أن نفسر غضبنا وحزننا وربما بعض إخفاقاتنا من خلالها. فإذا انتهت الخصومة، سقط جزء من القصة التي كنا نفسر بها أنفسنا. فماذا نفعل الآن؟

عندما يمد الخصم يده بالسلام، قد يسحب دون أن يقصد المبررات التي اعتدنا الاحتماء بها. وهنا نصبح أمام أنفسنا بلا عدو واضح نحمله مسؤولية كل شيء. ولذلك قد يكون السلام مخيفًا أحيانًا أكثر من استمرار الحرب.

عندما يختفي العدو

ويصبح الأمر أشد وضوحًا عندما يرحل ذلك الشخص نهائيًا، سواء بالموت أو الفراق أو انتهاء العلاقة. نعتقد أن رحيله سيحررنا، ثم نكتشف أن الصراع ما زال موجودًا.

"إذا غاب الشخص، فلماذا لم يغب الصراع؟"

ربما لأن جزءًا من المعركة لم يكن معه أصلًا، بل كان في داخلنا. وحين لا نجد شخصًا نوجه إليه غضبنا، قد نوجهه إلى أنفسنا. نبدأ بمحاسبة ذواتنا على كل خطأ، ونضخم هفواتنا، ونصبح في الوقت نفسه الخصم والقاضي والضحية.

وكأن النفس اعتادت وجود معركة إلى درجة أنها، عندما تفقد عدوها الخارجي، تبحث عن عدو جديد في الداخل.

وفي هذا المعنى جاءت هذه الأبيات:

نصنعُ الخصمَ وهمًا.. كي نُبررَ عُذرَنا ثُم نلقي عليهِ.. من أسايا وزرَنا
فإذا غابَ عن شاني.. واستبدّ بنا الخواءْ التفتنا لنواجهْ.. في المرآةِ خطرَنا
لا عدوٌ سوانا.. حين ننظرُ في العميقْ نحنُ جلادُ روحٍ.. نحنُ دربُ الحريقْ

إسقاط الأسلحة

التحرر الحقيقي لا يعني أن ننتصر على خصومنا، ولا يعني أن نبرر لمن أساء إلينا ما فعل. إنه يعني شيئًا أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن نرى الآخرين كما هم، لا كما تحتاج مخاوفنا أن يكونوا.

قد يكون الآخر مخطئًا، وقد نحتاج إلى مواجهته أو الابتعاد عنه أو وضع حدود واضحة معه. لكننا لسنا مضطرين إلى تحويله إلى وعاء نحمل فيه كل آلامنا وصراعاتنا. وعندما نفهم ذلك، يبدأ «العدو المثالي» في الاختفاء. ليس لأن الآخر أصبح ملاكًا، بل لأننا لم نعد بحاجة إلى شيطنته حتى نفهم أنفسنا. وهنا ربما يبدأ السلام الداخلي الحقيقي.

فأقصى انتصار على العدو ليس أن نهزمه، ولا حتى أن نصالحه، بل أن نصل إلى اللحظة التي لا نعود فيها بحاجة إليه ليحمل عنا ما نرفض رؤيته في أنفسنا.

وعندها يصبح السؤال مختلفًا:

"هل نستطيع أن نضع أسلحتنا جانبًا، وننظر أخيرًا إلى ذلك الخصم الذي كان ينتظرنا طوال الوقت في المرآة؟"

أمل ابراهيم & عدنان عبد الستار

04.09.2026

تحميل المقالة (PDF) قراءة كـ PDF
البحوث والدراسات

العدو المثالي.. حين نصنع خصمنا بأيدينا

قراءة كاملة لمقالة «العدو المثالي.. حين نصنع خصمنا بأيدينا» للكاتبين أمل إبراهيم وعدنان عبد الستار. تتناول المقالة حاجة النفس أحياناً إلى خلق خصم خارجي لحمل مخاوفها وصراعاتها، ودور الإسقاط النفسي في تجنب مواجهة الذات.

مقالات أخرى قد تهمك

لماذا أشعر بالفراغ رغم أن حياتي تبدو جيدة؟ كيف أتوقف عن التفكير الزائد؟ صراع الأضداد: ثنائية الوجود وتكامل الإنسان الفقدان... حين يترك الغياب أثراً لا يراه أحد الواقع يبدأ من الداخل: شبكة الأسباب الخفية في حياة الإنسان لماذا نقاوم الواقع؟ وكيف يقلل قبول الواقع من المعاناة ما معنى العودة إلى الذات؟... الطريق إلى المركز الداخلي ما هو الامتنان؟ ما هي اللغة؟ هل هي مجرد وسيلة للتواصل أم ظاهرة كونية غامضة؟ ما هي الأنا؟ رحلة لفهم الذات والهوية
كتاب حين يراك الوجود

كتاب «حين يراك الوجود»

رحلة وجودية ونفسية عميقة في فهم الأنا والوعي والهوية.

معاينة وتنزيل الكتاب