من الذي يرغب في داخلك؟ الأنا وهندسة القبول في عصر وسائل التواصل
تخيل أنك رأيت ساعة جميلة في يد شخص تتابعه على وسائل التواصل.
لم تكن تحتاج إلى ساعة، ولم تفكر فيها صباح ذلك اليوم، لكنك بعد دقائق وجدت نفسك تريدها.
أما السؤال الأصعب فهو: من أين جاءت الرغبة أصلًا؟
نحن نحب أن نعتقد أن رغباتنا تخصنا، وأن الصوت الذي يقول: «أريد هذا» هو صوتنا وحدنا. لكن ماذا لو كان جزء مما نسميه «أنا» قد تشكل من نظرات الآخرين، ومن الصور التي نشاهدها، ومن الأشياء التي تعلمنا أنها تعني النجاح والجمال والمكانة؟
هنا تبدأ حكاية الأنا في عصر وسائل التواصل.
الأنا أمام المرآة
كان الإنسان يحتاج إلى مرآة ليرى وجهه. اليوم يبدو أنه يحتاج أيضًا إلى جمهور ليرى صورته عن نفسه.
ننشر صورة ثم نعود لنعرف من أعجب بها. نكتب رأيًا ونراقب التفاعل. نشارك رحلة أو كتابًا أو إنجازًا، ونقول إننا نشارك حياتنا.
لكننا لا نشارك الحياة كاملة.
نحن نختار منها.
نخفي الأيام العادية وننشر اللحظات الاستثنائية. نختار الزاوية الأفضل والصورة الأجمل والقصة التي نريد للآخرين أن يعرفونا من خلالها.
وهكذا نصنع نسخة رقمية من أنفسنا.
نصنع الصورة في البداية، ثم تبدأ الصورة في صناعتنا.
إذا حصل نوع معين من صورنا أو آرائنا على اهتمام أكبر، نتعلم أن هذه النسخة منا أكثر قبولًا. لا أحد يأمرنا بتكرارها؛ يكفي أن يصفق الجمهور.
وهكذا قد نبدأ في العيش ليس فقط كما نريد، بل كما نريد أن نُرى.
هندسة القبول
قبل ظهور وسائل التواصل بعقود، فهم إدوارد بيرنيز أن الإنسان لا يتحرك بالمنطق وحده. نحن نتأثر بالرغبات والمخاوف والانتماء والمكانة الاجتماعية.
ومن هنا جاءت فكرته عن «هندسة القبول»:
بدل أن تجبر الإنسان على قبول شيء، اصنع الظروف النفسية والاجتماعية التي تجعل قبوله يبدو طبيعيًا.
أما الإعلان الأكثر ذكاءً فيقول ضمنيًا: هكذا يبدو النجاح.
ثم يضع السيارة داخل الصورة.
لا يبيعك الشيء فقط، بل يربطه بهوية ترغب في امتلاكها.
وهذه الفكرة أصبحت أكثر قوة في وسائل التواصل. فالمنتج لم يعد يظهر في إعلان منفصل عن حياتنا، بل في يد شخص نحبه أو نثق به أو نتمنى أن نعيش مثله.
وهكذا لا تُباع لنا الساعة وحدها.
تُباع لنا الشخصية التي نتخيل أننا سنصبحها عندما نرتديها.
صناعة النقص
لكي ترغب في نسخة أفضل من نفسك، يجب أن تشعر أولًا بأن نسختك الحالية غير كافية.
وهنا تصبح وسائل التواصل بيئة مثالية للمقارنة. نقارن أجسادنا بأجمل الأجساد، وبيوتنا بأجمل البيوت، ورحلاتنا بأجمل الرحلات، ونجاحاتنا بأكثر قصص النجاح إثارة.
نقارن حياتنا من الداخل بحياة الآخرين من الخارج.
نحن نعرف خوفنا وفشلنا ووحدتنا وأيامنا السيئة، بينما لا نرى من الآخر إلا اللحظة التي اختار أن يعرضها.
ثم يأتي السوق ليقدم لنا حلولًا للمسافة بين من نحن ومن نتمنى أن نكون:
حياتك ليست مثيرة؟ هناك تجربة يمكنك شراؤها.
لا تشعر بالنجاح؟ هناك سيارة أو ساعة أو أسلوب حياة يعدك بصورة مختلفة عن نفسك.
وهكذا لا يبيع السوق الأشياء فقط؛ إنه يبيع أحيانًا نسخًا محتملة من ذواتنا.
ثم جاءت الخوارزمية
في زمن بيرنيز كان الإعلان يتحدث إلى جمهور واسع. أما المنصة الحديثة فتستطيع التعلم من سلوك كل واحد منا: ماذا شاهدت؟ أين توقفت؟ ماذا تجاهلت؟ ما الذي أثار غضبك أو فضولك؟
كل حركة تترك إشارة. ثم تبدأ المنصة في تقديم المزيد مما يجذب انتباهك.
وهنا تصبح الشاشة مرآة غريبة: تنظر إليها، فتنظر إليك. تختار منها، فتتعلم من اختيارك، ثم تعيد ترتيب ما ستراه لاحقًا.
هل المنصة أصبحت تشبهني لأنها تعلمت ما أحب؟
أم أنني أصبحت أشبه ما تعرضه لأنها ظلت تعرضه عليّ؟
ربما يحدث الأمران معًا.
اقتصاد الأنا
الانتباه اليوم له قيمة اقتصادية. كل دقيقة نقضيها أمام الشاشة فرصة لعرض إعلان أو فكرة أو منتج. ولهذا تتنافس آلاف الرسائل على شيء واحد: وعينا.
والأكثر قدرة على جذبنا ليس دائمًا الأكثر أهمية. قد يكون ما يخيفنا، أو يغضبنا، أو يجعلنا نشعر بالنقص، أو يمنحنا الإحساس بالقبول.
وهنا يصبح زر الإعجاب أكثر من مجرد زر. إنه إشارة صغيرة تقول للأنا: لقد رآك الآخرون.
فنبدأ باستخدام المنصة للتعبير عن أنفسنا، ثم قد نجد أنفسنا نغير طريقة التعبير عن أنفسنا لكي نحصل على استجابة المنصة والجمهور.
ألا يُطلب منك أن تتغير، بل أن تتغير وأنت تعتقد أنك فقط تعبر عن نفسك.
الحرية الأصعب
هذا لا يعني أن الإنسان دمية بلا إرادة. لكن الحرية في العصر الرقمي ربما تحتاج إلى معنى أعمق.
الحرية ليست فقط أن تستطيع الاختيار بين عشرين منتجًا، بل أن تستطيع التوقف وتسأل: لماذا أريد ما أريد؟
• حين يجعلك محتوى ما تشعر بالنقص، اسأل: هل تغيرت حياتي فعلًا، أم تغير المعيار الذي أقيسها به؟
• وحين تنشر صورة، جرب سؤالًا أكثر صعوبة: لو لم يكن هناك أحد ليراها، هل كنت سأفعل الشيء نفسه؟
لن تجعلنا هذه الأسئلة محصنين ضد التأثير، لكنها تخلق مسافة صغيرة بين الرغبة والقرار. وفي تلك المسافة ربما تبدأ الحرية.
لأن أخطر أشكال هندسة القبول ليست أن يقول لك أحد: «أريد منك أن تصبح هكذا»، بل أن تُحاط بالصور والمقارنات والمكافآت حتى ترغب أنت في أن تصبح هكذا، ثم تقول: «هذا اختياري أنا».
خلاصة الموقف النفسي والواعي:
ولهذا ربما لا يكون أهم سؤال في عصر وسائل التواصل: «ماذا أريد؟»... بل:
عدنان عبد الستار & أمل ابراهيم
25.09.2026
من الذي يرغب في داخلك؟ الأنا وهندسة القبول في عصر وسائل التواصل
قراءة كاملة لمقالة «من الذي يرغب في داخلك؟ الأنا وهندسة القبول في عصر وسائل التواصل» للكاتبين عدنان عبد الستار وأمل ابراهيم. يتناول المقال بأسلوب فلسفي ونفسي عميق كيفية نشأة الرغبات في عالم الشاشات والمقارنات، وهندسة القبول، وتأثير الخوارزميات، وصولاً إلى استعادة الحرية الحقيقية بالسؤال: من الذي علّمني أن أريده؟
مقالات أخرى قد تهمك
القوة الخفية للأنا الأعلى: هل نلوم الأنا على ما لا تفعله؟ مراحل الوعي الإنساني: من وهم الإرادة إلى سلام الوعي العدو المثالي.. حين نصنع خصمنا بأيدينا لماذا أشعر بالفراغ رغم أن حياتي تبدو جيدة؟ كيف أتوقف عن التفكير الزائد؟ صراع الأضداد: ثنائية الوجود وتكامل الإنسان الفقدان... حين يترك الغياب أثراً لا يراه أحد الواقع يبدأ من الداخل: شبكة الأسباب الخفية في حياة الإنسان لماذا نقاوم الواقع؟ وكيف يقلل قبول الواقع من المعاناة ما معنى العودة إلى الذات؟... الطريق إلى المركز الداخلي ما هو الامتنان؟ ما هي اللغة؟ هل هي مجرد وسيلة للتواصل أم ظاهرة كونية غامضة؟ ما هي الأنا؟ رحلة لفهم الذات والهوية