حين تصبح مصاعب الحياة سلّماً للروح
نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا ونحن نحاول أن نجعل الطريق أكثر سهولة؛ نبحث عن الأمان، ونتجنب الخسارة، ونخطط كي تسير الأمور كما نريد. وحين تعصف بنا تجربة لم نحسب لها حسابًا، نشعر أن الحياة قد خرجت عن مسارها.
لكن ماذا لو كانت بعض المنعطفات التي حسبناها ضياعًا هي التي أعادتنا إلى الطريق؟
فالإنسان يبني مع مرور السنوات صورةً عن نفسه من نجاحه، ومكانته، وعلاقاته، وأحلامه، ونظرة الآخرين إليه. ثم يلتصق بهذه الصورة حتى يكاد يعتقد أنها ذاته. ولهذا عندما يفقد شيئًا منها، يشعر أحيانًا وكأنه فقد جزءًا من نفسه.
من أكون حين يسقط عني ما كنت أظن أنه أنا؟
قد يفقد الإنسان مالًا، أو حبًا، أو مكانة، أو حلمًا أمضى سنوات يسعى إليه. وفي البداية لا يرى سوى الخسارة. لكن بعد أن يهدأ صخب الألم قليلًا، يمكن أن يظهر سؤال آخر أكثر عمقًا:
المحنة مرآة
ليست المصاعب معلّمة لأنها تؤلمنا، بل لأنها تكشفنا.
في أوقات الراحة قد نمضي طويلًا دون أن نسأل أنفسنا أسئلة حقيقية. أما الألم فيهزّ المسلّمات التي بنينا عليها حياتنا:
- • لماذا أخاف الفقد؟
- • لماذا يجرحني الرفض؟
- • لماذا أحتاج إلى اعتراف الآخرين بي؟
- • وهل ما أسعى إليه فعلًا هو ما أريده، أم ما تعلّمت أن عليّ أن أريده؟
كل سؤال صادق من هذه الأسئلة قد يكون درجةً في سُلّم طويل نحو الداخل.
فالرفض قد يكشف حاجتنا المفرطة إلى القبول، والفشل قد يكشف أننا ربطنا قيمتنا بالإنجاز، والفقد قد يرينا مقدار تعلقنا بما لا نستطيع الاحتفاظ به إلى الأبد. أما الوحدة، فقد تكشف أننا تعلمنا كيف نصاحب الآخرين، لكننا لم نتعلم بعد كيف نصاحب أنفسنا.
لكن المرآة لا تغيّر الوجه؛ إنها فقط تجعله مرئيًا. ويبقى علينا أن نمتلك شجاعة النظر.
ليس الألم ما يصنع الحكمة
من الخطأ أن نعتقد أن كل معاناة تجعل الإنسان أكثر نضجًا. فالألم وحده قد يجعل الإنسان أكثر خوفًا أو قسوة أو مرارة.
هناك فرق بين أن نسأل: "لماذا حدث هذا لي؟" وأن نسأل أيضًا: "ماذا كشف لي ما حدث عن نفسي؟"
السؤال الأول يبحث عن تفسير للألم، أما الثاني فيبحث عن معنى يمكن أن يولد منه. فنحن لا نستطيع دائمًا اختيار ما يحدث لنا، لكننا نستطيع، ولو بعد حين، أن نختار ماذا نفعل بما حدث.
الحجر ذاته، لكن موقعه تغيّر.
- ✓ نتعلم من الخيبة ألا نغلق قلوبنا، بل أن نفتح أعيننا.
- ✓ ومن الفشل ألا نحتقر أنفسنا، بل أن نفصل بين قيمتنا ونتيجة تجربتنا.
- ✓ ومن الفقد أن الحب لا يعني الامتلاك.
- ✓ ومن الوحدة أن علاقتنا بأنفسنا ليست أقل أهمية من علاقتنا بالآخرين.
عندها تبدأ المصاعب، واحدةً بعد أخرى، في تكوين سُلّم لم نكن نراه ونحن في أسفله.
العودة إلى الذات
ربما تكون أعظم رحلة يقوم بها الإنسان ليست نحو النجاح أو المكانة، بل الرحلة التي يعود فيها إلى ذاته بعد سنوات من الابتعاد عنها، كما فصّلنا في «الطريق إلى المركز الداخلي».
فنحن نتعلم منذ الصغر كيف نصنع صورةً مقبولة لأنفسنا أمام العالم؛ ماذا ينبغي أن نكون، وكيف ينبغي أن نبدو، وما الذي يجب أن نحققه كي نستحق التقدير. ومع الوقت قد يصبح صوت الخارج مرتفعًا إلى درجة أننا لا نعود نسمع صوت الداخل.
ثم تأتي بعض التجارب فتهزّ هذه البنية كلها، فنشعر أننا ننهار.
وحين تسقط الصور واحدةً بعد أخرى، يبدأ في الظهور إنسان أكثر صدقًا؛ إنسان لا يحتاج أن يكون كاملًا كي يشعر بقيمته، ولا أن ينتصر دائمًا كي يحترم نفسه، ولا إلى إعجاب الجميع كي يعرف من يكون.
وهناك تبدأ ملامح الذات الحقيقية.
لا نمجّد الألم… بل لا نهدره
ليس المقصود أن نبحث عن المعاناة أو أن نمنح الألم قداسة لا يستحقها. فليس كل ألم ضروريًا، وليست المعاناة فضيلة في ذاتها.
إذا جاء الألم نتألم ونستخرج منه معرفة. وإذا جاء الفقد نحزن ونتعلم شيئًا عن التعلق والتحرر، كما أشرنا في تأملاتنا حول «الفقدان حين يترك الغياب أثراً». وإذا جاء الفشل نندم ولكننا نفرق بين ما حدث لنا وبين ما نحن عليه. وإذا جاءت الوحدة، نجعل منها فرصة للقاء ذلك الإنسان الذي نهرب منه كثيرًا وسط ضجيج الحياة: أنفسنا.
وعندها يتغير السؤال من:
إلى:
فالحياة لا تمنحنا دائمًا الطريق الذي نختاره، لكنها تترك لنا الطريقة التي نسير بها في الطريق الذي جاءنا.
يمكن للإنسان أن يحمل أحجار تجاربه فوق ظهره فيزداد انحناءً، ويمكنه أن يضعها، حجرًا بعد حجر، تحت قدميه فيرتفع. حتى يكتشف أن ما حسبه طريقًا إلى الأعلى كان في الحقيقة طريقًا إلى الداخل.
رحلة الروح: من الإضافة إلى الإزالة
ولعل رحلة الروح ليست رحلة إضافة بقدر ما هي رحلة إزالة: إزالة الخوف الذي يحجب الشجاعة، والتعلق الذي يحجب الحرية، والضجيج الذي يحجب صوت الداخل، والصور التي صنعناها عن أنفسنا حتى تظهر الذات من تحتها.
وحين ننظر يومًا إلى أصعب مراحل حياتنا، ربما لن نقول إن الألم كان جميلًا، ولن نتمنى عودته. لكننا قد نستطيع أن نقول:
كان مؤلمًا، لكنني لم أتركه يذهب سُدى.
صنعت من حجارته درجات،
ومن درجاته سُلّمًا،
ومن السُّلّم طريقًا إلى ذاتي.
...وحين وصلت إلى أعمق نقطة في داخلي، أدركت أن الروح لم تكن تصعد إلى نور بعيد…
كانت فقط تزيل، درجةً بعد درجة، كل ما كان يحجب عنها نورها.
أمل ابراهيم & عدنان عبد الستار
09.10.2026
حين تصبح مصاعب الحياة سلّماً للروح
قراءة كاملة لمقالة «حين تصبح مصاعب الحياة سلّماً للروح» للكاتبين أمل إبراهيم وعدنان عبد الستار. تتناول المقالة كيف تتحول المحنة إلى مرآة تكشف الذات الحقيقية وتسقط الصور الزائفة، وكيف نحوّل الألم بالوعي إلى درجات نصعد بها نحو الحرية والسلام الداخلي.
مقالات أخرى قد تهمك
ما معنى الحياة؟ وكيف يجد الإنسان معنى لحياته؟ من الذي يرغب في داخلك؟ الأنا وهندسة القبول في عصر وسائل التواصل القوة الخفية للأنا الأعلى: هل نلوم الأنا على ما لا تفعله؟ مراحل الوعي الإنساني: من وهم الإرادة إلى سلام الوعي العدو المثالي.. حين نصنع خصمنا بأيدينا لماذا أشعر بالفراغ رغم أن حياتي تبدو جيدة؟ كيف أتوقف عن التفكير الزائد؟ صراع الأضداد: ثنائية الوجود وتكامل الإنسان الفقدان... حين يترك الغياب أثراً لا يراه أحد الواقع يبدأ من الداخل: شبكة الأسباب الخفية في حياة الإنسان لماذا نقاوم الواقع؟ وكيف يقلل قبول الواقع من المعاناة ما معنى العودة إلى الذات؟... الطريق إلى المركز الداخلي ما هو الامتنان؟ ما هي اللغة؟ هل هي مجرد وسيلة للتواصل أم ظاهرة كونية غامضة؟ ما هي الأنا؟ رحلة لفهم الذات والهوية