ما معنى الحياة؟ وكيف يجد الإنسان معنى لحياته؟
قد يكون لديك عمل جيد، وبيت مريح، وأشخاص يحبونك. تستيقظ صباحًا، تشرب قهوتك، تذهب إلى عملك، تنجز ما عليك، تعود إلى المنزل، تتصفح هاتفك قليلًا، ثم تنام. وفي اليوم التالي تفعل الشيء نفسه.
ظاهريًا، لا ينقصك شيء. ومع ذلك، قد يفاجئك في لحظة هدوء ذلك السؤال الثقيل:
نحن بارعون في ملء الوقت، لكن ملء الوقت ليس بالضرورة ملء الحياة. نستطيع أن نملأ أيامنا بالعمل والمواعيد والسفر والتسوق والشاشات، ومع ذلك يبقى في داخلنا إحساس غامض بأن شيئًا ما مفقود.
قبل عقود، وضع الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل هذا السؤال في قلب مدرسته النفسية المعروفة باسم «العلاج بالمعنى» (Logotherapy). وكانت فكرته بسيطة وعميقة: الإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يعيش، بل يحتاج إلى أن يعرف ما الذي يعيش من أجله.
رجل خسر كل شيء تقريبًا
لم يصل فرانكل إلى هذه الفكرة في مكتب هادئ بعيدًا عن قسوة الحياة. خلال الحرب العالمية الثانية تم اعتقاله وإرساله إلى معسكرات الاعتقال النازية، حيث فقد حريته وكثيرًا ممن أحبهم، وعاش الجوع والخوف والموت عن قرب.
هناك أصبح السؤال عن معنى الحياة مختلفًا تمامًا. لم يعد: كيف أكون أكثر نجاحًا أو سعادة؟ بل:
خرج فرانكل من تجربته بقناعة ستصبح أساسًا لفكره: قد يُسلب الإنسان أشياء كثيرة، لكن تبقى له، حتى في بعض أقسى الظروف، مساحة داخلية تتعلق بالموقف الذي يتخذه تجاه ما يحدث له.
لم يكن ذلك تمجيدًا للمعاناة، بل اكتشافًا لقوة المعنى. فالإنسان الذي يشعر أن هناك شخصًا ينتظره، أو عملًا لم يكمله، أو مسؤولية تستحق أن يعيش من أجلها، يمتلك شيئًا يتجاوز ألمه الآني: سببًا للاستمرار.
عندما تمتلئ الحياة… وتبقى فارغة
نحن نعيش اليوم في عالم مختلف تمامًا عن عالم فرانكل، لكن السؤال الذي طرحه لم يختفِ؛ ربما تغير شكله فقط.
نستيقظ لأن المنبّه رنّ. نعمل لأن علينا أن نعمل. نلاحق هدفًا، وحين نصل إليه يظهر الهدف التالي: ترقية، منزل أكبر، رحلة أخرى، دخل أعلى، نجاح جديد... ثم قد نكتشف، بعد سنوات، أننا كنا مشغولين جدًا بالسير من دون أن نسأل: إلى أين؟
سمّى فرانكل جانبًا من هذه الحالة الفراغ الوجودي؛ ذلك الشعور بأن الحياة تمضي، لكننا لا نعرف تمامًا لماذا نمضي معها. وقد تناولنا هذا البعد بتفصيل أعمق في مقالنا: «لماذا أشعر بالفراغ رغم أن حياتي تبدو جيدة؟».
والمثير أن هذا الفراغ لا يصيب فقط من يفتقد المال أو النجاح. فقد يمتلك الإنسان الكثير، ومع ذلك يشعر بأن شيئًا أساسيًا ينقصه.
لكنها لا تجيب دائمًا عن السؤال الأصعب: لماذا أعيش؟
أين نجد المعنى؟
عندما نسمع عبارة "معنى الحياة"، قد نتخيل شيئًا ضخمًا: إنجازًا يغير العالم، كتابًا خالدًا، أو نجاحًا استثنائيًا. لكن فرانكل رأى المعنى أقرب إلينا من ذلك بكثير:
• في شيء نستقبله من العالم: الحب، والصداقة، والجمال، والفن، والطبيعة، والعلاقات الصادقة.
• في أصعب اللحظات: عندما نواجه ظرفًا مؤلمًا لا نستطيع تغييره.
وهنا يجب ألا نسيء فهم فرانكل. فهو لا يدعونا إلى البحث عن الألم أو قبول معاناة يمكن منعها. لكن عندما يصبح تغيير الواقع خارج قدرتنا (كما بينّا في مقال «لماذا نقاوم الواقع؟ وكيف يقلل قبول الواقع من المعاناة»)، يبقى أمامنا سؤال مهم:
أحيانًا لا نملك اختيار ما يحدث، لكن تبقى لدينا مساحة، مهما ضاقت، لاختيار الطريقة التي نستجيب بها.
هل نطارد السعادة أكثر مما ينبغي؟
من أجمل أفكار فرانكل أن السعادة قد تصبح أكثر ابتعادًا عنا كلما جعلناها هدفنا الوحيد.
حين نستيقظ كل يوم ونسأل: "هل أنا سعيد بما يكفي؟"، تصبح الحياة امتحانًا دائمًا للسعادة، ويصبح كل يوم عادي ناقصًا، وكل حزن علامة على الفشل — وهو المنحدر الذي يغذي استنزاف النفس كما فصلنا في مقال «كيف أتوقف عن التفكير الزائد؟».
لكن ماذا لو لم تكن السعادة هدفًا مباشرًا أصلًا؟ قد تنسى نفسك لساعات وأنت تعمل في شيء تؤمن به. وقد تتحمل تعبًا كبيرًا من أجل شخص تحبه. وقد تنام بعد يوم مرهق وأنت تشعر، رغم التعب، بأن هذا اليوم كان يستحق أن يُعاش.
الأولى تسأل: هل مشاعري جيدة؟
أما الثانية فتسأل: هل ما أفعله ذو قيمة؟
ماذا تريد الحياة منك؟
ربما تكون إحدى أجمل التحولات في فكر فرانكل هي قلب السؤال نفسه. نقضي سنوات ونحن نسأل: ماذا أريد من الحياة؟ أريد النجاح، والحب، والمال، والأمان، وتحقيق الذات — وهي رغبات قد نصنعها أحيانًا أو تصنعها صور المجتمع كما أشرنا في مقال «من الذي يرغب في داخلك؟».
ربما لا تحتاج في هذه اللحظة إلى اكتشاف "رسالة حياتك" الكبرى. ربما تحتاج إلى الاتصال بوالدتك، أو الوفاء بوعد، أو إنهاء عمل أهملته، أو الاعتذار لشخص أخطأت بحقه، أو الوقوف إلى جانب إنسان يحتاج إليك.
المعنى ليس كنزًا نعثر عليه مرة واحدة وتنتهي المهمة؛ إنه يتغير معنا عبر رحلتنا نحو نضج الإدراك، كما أوضحنا في «مراحل الوعي الإنساني». فما يعطي حياتنا معنى في العشرين قد يختلف عما يمنحها المعنى في الأربعين أو الستين. ولهذا ليست هناك إجابة واحدة تصلح للجميع.
السؤال الذي يبقى
لسنا بحاجة إلى حياة مثالية كي نحيا حياة ذات معنى. المعنى لا يلغي الألم، لكنه قد يمنحنا سببًا لتحمله. ولا يلغي المسؤوليات، لكنه قد يحولها من أعباء إلى أشياء اخترنا أن نهتم بها. ولا يضمن لنا السعادة كل يوم، لكنه يمنح أيامنا اتجاهًا.
وربما لهذا بقيت أفكار فيكتور فرانكل حاضرة حتى اليوم. فهي لا تعطينا وصفة جاهزة للسعادة، ولا تعدنا بأن الحياة ستكون سهلة. إنها فقط تضع أمامنا سؤالًا أكثر صدقًا:
قد لا تأتي الإجابة فورًا. لكن الانتقال من سؤال «ماذا ستعطيني الحياة؟» إلى سؤال «ماذا أستطيع أن أقدم لها؟» قد يغير الطريقة التي نعيش بها تمامًا.
خلاصة الموقف النفسي والواعي:
لأن السؤال الأهم، في النهاية، ليس كم سنة سنعيش... بل:
عدنان عبد الستار & أمل ابراهيم
03.10.2026
ما معنى الحياة؟ وكيف يجد الإنسان معنى لحياته؟
قراءة كاملة لمقالة «ما معنى الحياة؟ وكيف يجد الإنسان معنى لحياته؟» للكاتبين عدنان عبد الستار وأمل ابراهيم. يتناول المقال بعمق فلسفة المعنى عند فيكتور فرانكل (العلاج بالمعنى)، وكيف يتجاوز الإنسان الفراغ الوجودي، والفرق بين مطاردة السعادة والعيش بحياة ذات قيمة ومعنى يستحق أن يُعاش.
مقالات أخرى قد تهمك
من الذي يرغب في داخلك؟ الأنا وهندسة القبول في عصر وسائل التواصل القوة الخفية للأنا الأعلى: هل نلوم الأنا على ما لا تفعله؟ مراحل الوعي الإنساني: من وهم الإرادة إلى سلام الوعي العدو المثالي.. حين نصنع خصمنا بأيدينا لماذا أشعر بالفراغ رغم أن حياتي تبدو جيدة؟ كيف أتوقف عن التفكير الزائد؟ صراع الأضداد: ثنائية الوجود وتكامل الإنسان الفقدان... حين يترك الغياب أثراً لا يراه أحد الواقع يبدأ من الداخل: شبكة الأسباب الخفية في حياة الإنسان لماذا نقاوم الواقع؟ وكيف يقلل قبول الواقع من المعاناة ما معنى العودة إلى الذات؟... الطريق إلى المركز الداخلي ما هو الامتنان؟ ما هي اللغة؟ هل هي مجرد وسيلة للتواصل أم ظاهرة كونية غامضة؟ ما هي الأنا؟ رحلة لفهم الذات والهوية