العودة للصفحة الرئيسية

زرّ الخفّة الافتراضي

كيف نُخلي الإدارة ونبقى أحياء

بقلم: أمل إبراهيم & عدنان عبد الستار • تاريخ النشر: ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦

الحكومة التي تسكن رأسك

في داخل الواحد منّا حكومة كاملة لا تنام. وزارة للمقارنة، وهيئة لمراقبة نظرات الآخرين، ولجنة عليا لتحليل آخر جملة قلناها: لماذا قلناها؟ وكيف استُقبلت؟ وهل كان ينبغي أن نكتفي بابتسامة؟ وهناك موظف نحيل ينتظر أن نضع رأسنا على الوسادة ليهمس: «بالمناسبة، هل أنت متأكد أنك لم تبدُ غبيًا؟».

لا نذكر أننا انتخبنا هذه الحكومة، لكنها تتصرّف بثقة سلطة حصلت على تفويض أبدي.

تعرّفنا بأنفسنا، وتحدّد قيمتنا، وتصدر كل صباح قائمة جديدة بالشروط التي ينبغي استيفاؤها قبل السماح لنا بالراحة — كما تناولنا في مقالنا «القوة الخفية للأنا الأعلى».

لو تخيّلنا للحيوان دفترًا يدبّر به يومه، لربما وجدنا فيه: «هذا آمن، ذاك خطر، هذا يؤكل، ومن الأفضل ألّا يأكلني ذاك». أما نحن، فنحمل مكتبة كاملة عن أنفسنا والعالم. ولكل شيء ملف جانبي: هل يرفع مكانتي؟ هل يليق بي؟ وكيف سيبدو الأمر أمام الناس؟ حتى فنجان القهوة قد يجد نفسه متورّطًا في شؤون الهوية.

بعض الكتب ورثناه عن الأسرة، وبعضها أخذناه من المدرسة، وبعضها ألّفه شخص عابر قال كلمة ثم نسيها، بينما عيّنّاه نحن مستشارًا دائمًا في شؤوننا الداخلية.

ومع الوقت، صرنا نسمع صوت الإدارة ونظنّه صوتنا. تقول: «غيرك يملك أكثر»، فنشعر بأن وجودنا ناقص، مع أننا جالسون في أمان، والشاي أمامنا، ولا أحد يطالبنا الآن بتقديم كشف حساب عن جدوى حياتنا.
زرّ الخفّة الافتراضي: كيف نُخلي الإدارة ونبقى أحياء

المهرّج الذي أخذ الوظيفة بجدية

هذه الإدارة لا تنتظر وقوع مشكلة كي تعمل. تكون الشمس لطيفة، والقهوة ساخنة، والكرسي يؤدي واجبه بضمير، فتصل مذكرة عاجلة: «كيف تستريح وأنت لم تضمن مستقبلك؟».

فنعتدل في جلستنا كأننا ضُبطنا نختلس السكينة من المال العام.

نحاول مراقبة الأفكار من بعيد — كما فصّلنا في «كيف أتوقف عن التفكير الزائد؟». لكن فكرة تلتفت إلينا وتقول:
«بما أنك هنا، نحتاج رأيك». وبعد دقائق نجد أنفسنا نرأس الاجتماع الذي جئنا لمراقبته.

وقد تنفتح ثغرة صغيرة حين نرى المشهد بطرافته:
ها نحن نرتدي ربطة عنق، ونحمل ملفًا بعنوان «مصيري النهائي»، ونتصرّف كأن دوران الأرض معلّق على حسن أدائنا.

نبتسم بحنان لهذا المهرّج المجتهد. لقد أتعب نفسه وهو يحاول أن يكون شخصية مقنعة طوال الوقت.

حتى الاسترخاء يريد إتقانه، ويفضّل الحصول على شهادة تثبت أنه من أكثر الناس حضورًا في الحي.

مسح افتراضي بلا لجنة تحقيق

لنتخيّل زرًّا صغيرًا مكتوبًا عليه: «مسح المنظومة افتراضيًا».

لا حاجة إلى فتح الملفات القديمة واستدعاء أصحابها للشهادة. فربما أمضينا سنوات نبحث عمّن وضع هذا الاعتقاد على الرف، ثم اكتشفنا أننا أسّسنا وزارة جديدة اسمها «وزارة تفكيك الوزارات»، يعمل فيها الموظفون أنفسهم بعد تغيير الأختام.

سنفترض، لفترة قصيرة، أن المنظومة كلها قد مُسحت:
تعريفاتنا الجاهزة، وشروط استحقاقنا، ومقاييس نجاحنا وفشلنا، والتفسيرات التي نُلحقها بكل حركة.

تدخل المكتبة كلها في هذا الافتراض، بما فيها الكتب التي تحمل صورنا على أغلفتها وتدّعي أنها تعرف حقيقتنا — كما بحثنا في «ما هي الأنا؟ رحلة لفهم الذات والهوية».

هذه لعبة تخيّل؛ سنظل نعرف طريق المنزل وكيف نستخدم الملعقة. ما نعلّقه هو سلطة الحكاية التي تقول لنا من نحن، وما الذي يجب أن نثبته كي نستحق مكاننا في الحياة.

نضغط الزر. تظهر نافذة تسأل: «هل تريد الاحتفاظ بنسخة احتياطية من جلد الذات؟».
نختار: «شكرًا، لا».
وللاحتياط، نزيل العلامة عن خيار «تشغيل المقارنة تلقائيًا عند الاستيقاظ».

نترك الغرفة فارغة قليلًا

والآن تأتي الفسحة التي نستعجل عادةً تجاوزها: نبقى قليلًا من دون تركيب منظومة بديلة.

ربما نشعر كأن اجتماعًا صاخبًا انتهى فجأة، فسمعنا هدوء الغرفة للمرة الأولى. نتركها هكذا. لا نهرع إلى شراء أثاث فكري جديد لمجرد أن الفراغ لم يألف وجودنا بعد.

لقد اعتدنا تبديل الهويات بسرعة مدهشة. نغادر شخصية «الشخص الناجح» لندخل شخصية «الشخص المتحرّر من الحاجة إلى النجاح»، ثم نتلفّت لنرى إن كان أحد قد لاحظ هذا الإنجاز الروحي.

هذه المرة، نمهل أنفسنا وقتًا بلا بطاقة تعريف جديدة. ماذا يحدث حين لا نستدعي قصّتنا لتفسير كل إحساس؟ وكيف يبدو المكان قبل أن نسأل عمّا يعنيه بالنسبة إلينا؟

قد تظهر خفة وراحة، وقد تظهر حيرة أو يبقى ضجيج مألوف. نترك التجربة تكشف نفسها.

لا يوجد مراقب يسجّل: «تأخّر عن بلوغ الطمأنينة ثلاث دقائق». حتى السكون ليس زيًا رسميًا يلزم ارتداؤه بطريقة صحيحة.

العالم يعمل من دون توقيعنا

النَّفَس يدخل ويخرج، والضوء يقع على الطاولة، وصوت في الشارع يمرّ ثم يبتعد. وقد نعطش فنشرب، من دون تحويل كوب الماء إلى مرحلة في مشروع تطوير الذات.

نحن هنا، قبل التقرير الذي يشرح جودة وجودنا.

ولعلّ الحضور يبدأ من هذه البساطة: أن نكون على تماسّ مع الجسد والمكان وما يحدث، وأن نعطي التجربة فرصة قبل وصول فريق التعليق. الألم، إن وُجد، قد يبقى مؤلمًا. لكن المحكمة التي تنعقد حوله تستطيع تأجيل الجلسة: لماذا حدث لي؟ ماذا يقول عن قيمتي؟ كيف سمحت لنفسي؟ يستطيع المتعب أن يجلس قليلًا، من دون مرافعة تثبت حقّه في الجلوس.

الحارس الذي لا يقتنع بالمذكرات

هنا قد نعترض: «كل هذا جميل، لكنني مسحت المكتبة افتراضيًا، فلماذا عادت الكتب إلى الرفوف قبل أن أنتهي من الشاي؟».

لأن الاقتناع بالفكرة لا يجعلها عادة فورًا. نعرف هذا جيدًا من علاقتنا بالحلوى: نقرّر أن نكتفي، ثم تمتد اليد إلى قطعة أخرى، ويصل قسم التبرير قبل أن نبتلعها: «هذه صغيرة، واليوم كان طويلًا، ثم إن الحرمان غير مناسب الآن».

إذا احتاج ملفّ الحلوى وحده إلى كل هذه المفاوضات، فكيف بمكتبة أمضينا عمرًا نتعامل معها كأنها نحن؟

يمكن أن نتخيّل وراء أبوابها حارسًا يمثّل عاداتنا الراسخة واستجاباتنا التلقائية. يعرف الممرّات القديمة، ويطمئن إلى ترتيبها، ويتوجّس من إخلائها. وما إن نفتح نافذة حتى يسأل: «ومن وافق على دخول هذا الهواء؟».

ليس علينا أن نقنعه بكل شيء، أو أن نحلّل شخصيته ونبحث له عن طفولة مناسبة.

يكفي أن ننتبه حين يعيدنا إلى الاجتماع، وأن نتعلّم العودة إلى ما نعيشه الآن. المسح الافتراضي يتيح لنا تخيّل الحياة من دون سلطة المكتبة. أما العودة المتكررة إلى الحضور فتمنح هذا الاحتمال مكانًا في يومنا، كلما عادت الرفوف إلى الظهور.

كيف يصبح للزرّ مكان في يومنا

الزرّ هنا اسم لقدرة نتعلّمها: أن نلاحظ انشغالنا بالحكاية، ثم نعود برفق إلى التجربة المباشرة — وهي جوهر «العودة إلى الذات: الطريق إلى المركز الداخلي». لا نحتاج إلى العثور على قطعة مخبّأة في الدماغ، ولا إلى استدعاء فنّي لتركيب مفتاح تحت الجمجمة.

قد تبدو لنا المنظومة كخوذة محكمة موصولة ببدلة غوص تشدّ الجسد كله. ارتديناها طلبًا للحماية، ثم نسينا خلعها، وصرنا نشرب الشاي بكامل المعدّات، مستغربين أن الحياة لا تدخل إلينا بسهولة.

حين نلتفت إلى الجسد والتنفس، قد نلاحظ شيئًا من هذا الانقباض. نعود إلى إحساس القدمين بالأرض، أو الهواء وهو يدخل ويخرج. لا يلزم أن نطارد كل فكرة حتى نطردها؛ يكفي ألّا نوقّع تلقائيًا على كل ورقة تقدّمها. ويمكننا أن نجرّب ذلك الآن: نلاحظ موضع القدمين، ونأخذ نفسًا طبيعيًا، ثم نترك اللحظة كما هي، بلا امتحان للنجاح.

سنسرح كثيرًا. قد نبدأ بملاحظة التنفس ونجد أنفسنا بعد قليل نعيد ترتيب حوار جرى يوم الثلاثاء. وحين ننتبه، نستطيع العودة. لا داعي إلى تحويل السرحان إلى مخالفة تستوجب السرحان فيها أيضًا.

ومع التكرار، قد تصبح العودة أيسر، وترتخي البدلة قليلًا. وربما نشعر، في بعض اللحظات، كأن جلدًا قديمًا ينسلخ بعد أن أدّى دوره. نلمح فسحة بين فكرة وأخرى، ونكتشف أننا هنا حتى حين لا نقول شيئًا عن أنفسنا؛ كأننا بحثنا عن اسمنا طويلًا في السطور، ثم لمحنا حضورنا في الفراغات بين الكلمات.

ثم تصل فاتورة الكهرباء

بعد قليل، يدقّ الواقع الباب: فاتورة مستحقّة. يبدو أن شركة الكهرباء لم تتلقَّ خبر إخلاء الإدارة، وما زالت مصرّة على بعض التفاصيل الأرضية.

هنا يبدأ بناء المنظومة العملية الجديدة من قلب الحضور. نسأل: ما الذي يحتاج إلى عناية؟ ما الخطوة المناسبة؟ ماذا أستطيع أن أفعل بما لديّ؟

نضع المواعيد لأن الوقت مشترك، ونعتذر لأننا آذينا شخصًا، ونراجع العمل لأن تحسينه مفيد. تصبح القيم اختيارات نعيش أثرها: الصدق يتيح علاقة أوضح، والرحمة تفسح مكانًا للضعف، والمسؤولية تساعدنا على إصلاح ما نستطيع.

ولكل قاعدة مجال يمكن مراجعته. أما تحويل التأخر عشر دقائق إلى بيان عن فشلنا الوجودي، فعمل إداري زائد. يكفي أن نخبر من ينتظرنا، ثم نصل.

إدارة تعرف حدودها

نستقبل التخطيط والطموح والانضباط، ونعطي كلًّا منهم مكتبًا وصلاحيات محدّدة. يساعدنا التخطيط على ترتيب الأسبوع، ويمنح الطموح إبداعنا أفقًا، ويذكّرنا الانضباط بالمهمة بصوت إنساني قدر الإمكان.

وننغمس في ما نبدعه لأن لدينا ما نحبّ التعبير عنه ومشاركته. نستطيع أن نجتهد، وأن نستريح، وأن نخطئ ونصحّح، من دون تعليق قيمتنا على لوحة النتائج كل صباح. وحين يحاول أحد الموظفين الاستيلاء على المبنى وإعلان حالة الطوارئ، نتعرّف إلى المشهد. ها هو المهرّج عاد مرتديًا زيّ القائد العام. نبتسم، ونخفّف قبضتنا، ونعود إلى ما بين أيدينا.

وقد ننسى أيامًا كاملة. حتى العودة بعد النسيان تستحق الرفق، كي لا تتحوّل الطمأنينة إلى وظيفة إضافية نخشى الفصل منها.

بيت يتّسع للحياة

نُخلي البيت افتراضيًا، ونفتح نوافذه، ونجلس قليلًا على الأرض. ثم نُدخل ما تحتاجه الحياة: طاولة للعمل، وكرسيًا للراحة، ومكانًا لمن نحبّ. ومع انشغالنا بتأثيثه، نبقي نافذة مفتوحة؛ يستطيع الحضور أن يرافق العمل، لا أن ينتظر انتهاءه كلّه.

وإذا حضر الموظف القديم عند منتصف الليل، حاملًا ملف «ماذا سيقول الناس؟»، نستطيع أن نفتح له بابتسامة:

«تفضّل، اشرب ماء. الإدارة الجديدة تبدأ صباحًا... وهذا الملف، على ضخامته، لا يبدو مستعجلًا».

أمل إبراهيم & عدنان عبد الستار

23.10.2026

تحميل المقالة (PDF) قراءة كـ PDF
البحوث والدراسات

زرّ الخفّة الافتراضي: كيف نُخلي الإدارة ونبقى أحياء

قراءة كاملة لمقالة «زرّ الخفّة الافتراضي: كيف نُخلي الإدارة ونبقى أحياء» للكاتبين أمل إبراهيم وعدنان عبد الستار. تأمل نفسي ووجودي في تلك «الحكومة الداخلية» التي تسكن رؤوسنا — من مقارنة مستمرة وجلد للذات ومراقبة لنظرات الآخرين — وكيف نستعيد خفة الحضور في اللحظة الراهنة دون أن نفقد تخطيطنا ومسؤوليتنا تجاه الحياة.

مقالات أخرى قد تهمك

الأنا والظل: المعركة الصامتة داخلنا حين تصبح مصاعب الحياة سلّماً للروح ما معنى الحياة؟ وكيف يجد الإنسان معنى لحياته؟ من الذي يرغب في داخلك؟ الأنا وهندسة القبول في عصر وسائل التواصل القوة الخفية للأنا الأعلى: هل نلوم الأنا على ما لا تفعله؟ مراحل الوعي الإنساني: من وهم الإرادة إلى سلام الوعي العدو المثالي.. حين نصنع خصمنا بأيدينا لماذا أشعر بالفراغ رغم أن حياتي تبدو جيدة؟ كيف أتوقف عن التفكير الزائد؟ صراع الأضداد: ثنائية الوجود وتكامل الإنسان الفقدان... حين يترك الغياب أثراً لا يراه أحد الواقع يبدأ من الداخل: شبكة الأسباب الخفية في حياة الإنسان لماذا نقاوم الواقع؟ وكيف يقلل قبول الواقع من المعاناة ما معنى العودة إلى الذات؟... الطريق إلى المركز الداخلي ما هو الامتنان؟ ما هي اللغة؟ هل هي مجرد وسيلة للتواصل أم ظاهرة كونية غامضة؟ ما هي الأنا؟ رحلة لفهم الذات والهوية
كتاب حين يراك الوجود

كتاب «حين يراك الوجود»

رحلة وجودية ونفسية عميقة في فهم الأنا والوعي والهوية.

معاينة وتنزيل الكتاب